أكد الرئيس الأمريكي، دونال ترامب، انه كان يأمل ان "يستولي" علي النفط الإيراني الا ان الشعب الأمريكي يرغب في عودة جنوده من الشرق الأوسط. تصريح ترامب يتماشي مع افعاله خاصة لو كان في إطار السيطرة، فهو يتفاخر باستيلاءه علي نفط فنزويلا بعد اعتقال رئيسها، وقبلها كان قاب قوسين او ادني من احتلال جزيرة جرينلاند الدنيماركية بحجة انها تضم مخزون ضخم من المعادن النادرة، كما اوضح صراحة انه يريد ضم كندا الي الولايات المتحدة، وضم قناة بنما، ويقول انه بعد إيران سيذهب لتغيير الحكم في كوبا.
اذن نحن امام اجندة توسعية فيما تبقي من فترة رئاسته بالبيت الأبيض، بل الي محاولة لشرعنة "القرصنة" وجعلها منهج في الشريعة الامريكية.. الصورة التي يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسويقها حتى منذ ولايته الأولى انه رجل لا يمكن التنبؤ بتصرفاته او قراراته، وخلال حملته الأولى، كان يقول، "يجب أن نكون كأمة أكثر قابلية لعدم التنبؤ بما نريده". وردا على سؤال خلال حملته الانتخابية لعام 2024 عن كيفية رده على الحصار الصيني على تايوان، أجاب ترامب: "الرئيس شي جين بينغ يحترمني ويعرف أنني مجنون". حتى نائبه جي دي فانس قال: "إن ترامب، كما يقول منتقدوه وأنصاره، لا يمكن التنبؤ به".
ترامب ليس أول زعيم يتبنى صراحة سياسة خارجية غير منتظمة. على مدى عقود، نشر رؤساء الدول في جميع أنحاء العالم ما يعرف بنظرية المجنون: فكرة أنه من خلال التصرف بطريقة شديدة التقلب، يمكنهم إخافة المعارضين للتنازل. وخلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، اقترح بعض مستشاري البيت الأبيض تطبيق نظرية المجنون على الدول الشيوعية حتى تأخذ التهديدات النووية الأمريكية بجدية أكبر.
كان هذا في السابق.. لكن يجب على ترامب أن يكون حذرا عندما يتعلق الأمر بنظرية المجنون. في الواقع، من النادر أن تؤتي نظرية الجنون ثمارها دوليا. غالبا ما يفشل القادة ورؤساء الدول المعاصرون الذين حاولوا تطبيقها في إقناع خصومهم بما أرادوا، بل بالعكس ارتدت اثارها سلبا عليهم. وبالتالي سيحتاج ترامب إلى السير على خيط رفيع، وإقناع الدول الأخرى بأنه مجنون بما يكفي لتحقيق تهديداته، ولكنه عاقل بما يكفي للالتزام بالاتفاقيات التي يبرمها.
قد تكون نظرية المجنون شائعة، ولكنها تاريخيا لم تفعل الكثير لأتباعها. فشل نيكسون في إقناع الفيتناميين الشماليين وحلفائهم السوفييت بجنونه، واضطر في نهاية المطاف إلى الانسحاب من فيتنام. خلال جهود الاتحاد السوفيتي للسيطرة على كل برلين، هدد خروتشوف باستخدام الأسلحة النووية وغالبا ما بدا أنه فقد السيطرة على مشاعره عند مقابلة المسؤولين الغربيين - الصراخ والإيماءات والتحول إلى اللون الأحمر في الوجه. ومع ذلك، لم يتمكن من إجبار الولايات المتحدة على التراجع. نظرية الجنون تم تطبيقها حتى في المنطقة العربية وأبرز من طبقها كان صدام حسين ومعمر القذافي ووجها مصيرهما المحتوم.
السبب الأكثر وضوحا لهذا السجل الرديء لتلك النظرية هو أنه من الصعب على أي زعيم، وخاصة قادة البلدان المسلحة نوويا، إقناع الخصوم بأن سلوكهم مجانين فعليا ويمكنهم فعل أي شيء. على سبيل المثال، تهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالانتقام من الغرب وضربه نوويا لدعمه أوكرانيا، فشل في تغيير السياسة الغربية. وأحد الأسباب هو أن السلاح النووي تحديدا وجد للردع فقط وليس للاستخدام ودمار البشرية.
ترامب عندما عاد إلى المكتب البيضاوي، وجد ان خريطة العالم تغيرت لصالحه وخصومه أصبحوا أكثر ضعفا، إيران مهزومة بعد انهيار وحدة الساحات وغياب نظام بشار الأسد في سوريا، وروسيا محاصرة وتستنزف مواردها في حرب لا يمكن الفوز بها، والصين التي تتصارع مع التحديات الاقتصادية والسخط الداخلي. مع سماته المميزة - الشجاعة التكتيكية، وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، والميل إلى عقد الصفقات – يعتقد ترامب أنه يمتلك مجموعة من الفرص لإعادة تشكيل الديناميات العالمية، مما قد يترك إرثا مماثلا للرؤساء هاري ترومان ودوايت أيزنهاور ورونالد ريجان.
بالفعل لدى الرجل فرصة لإعادة تشكيل المنطقة، والتحول من عقود الصراع العربي الإسرائيلي إلى حقبة من الأمن الجماعي والازدهار. لكن بالمنطق والتسويات المرضية .. وليس باشعال المزيد من الحروب كما يفعل الان في ايران. والخوف ان يأخذه الجنون لتحديات غير مسبوقة خاصة أن جميعها يتعلق بثوابت تاريخية وجغرافية وقانونية يصعب القفز فوقها. وقد يكون ترامب قادرا على النجاح إذا كان بإمكانه تصوير نفسه على أنه غير متوقع وغير مقيد دون أن يبدو غير مستقر. ولكن إذا ظهر ترامب على أنه غير عقلاني بشكل يائس وبائس، فمن المؤكد أنه لن يحصل على ما يسعى إليه، وربما يصبح مثيرا للشفقة!
تشير الإحصاءات الرسمية استناداً إلى "صحيفة الواشنطن بوست" إلى أنه خلال ولايته الأولى، أطلق ترامب 30,573 تصريحاً مضللاً، بمعدل 21 ادعاءً يومياً. تتعرض الولايات المتحدة تحت تأثير ترامب إلى تآكل أخطر أنواع التقاليد الديمقراطية. أما خارجياً، فإن المصداقية الأمريكية تتبخر؛ حيث بات الخلاف مع الحلفاء السابقين في الناتو والاتحاد الأوروبي اكبر من تعود مجددا الي طبيعتها علي الأقل فيما تبقي من عهده.




